كي لا نحسد الأوكران على مصيبتهم



تناقلت الأنباء قبل أسبوع خبر مصرع الطيار الروسي رومانوف أنطون ميخائيلوفيتش بالقرب من سيفيرودونتسك شرق أوكرانيا. رومانوف كان أحد طياري قاعدة حميميم في سوريا، حيث نفّذ 165 غارة جوية، ولا بد أنه تميّز بما قتَله من سوريين كي يكرّمه الأسد بوسام على ذلك. هو خبر يمكن تثقيله بالدلالات، فالطيار ربما نُقل إلى أوكرانيا بعد الخبرة والتمرس بالضحايا السوريين، وقُتل هناك بعدما حُرم السوريون من الأسلحة التي تمكنهم من التصدي له. في سوريا كان يصول ويجول بطيارته مرتاحاً، وكذلك هو حال قيادته في موسكو التي لطالما أعلنت أن وجودها العسكري في سوريا يُغطى بجزء من ميزانية التدريب، بينما تُضطر بسبب الحرب على أوكرانيا إلى تعبئة مئات الألوف من احتياطي جيشها.

على صعيد متصل، وفي دلالة على الدعم الغربي الذي تناله أوكرانيا، اجتمع يوم الجمعة الفائت وزراء دفاع الدول الداعمة وأعضاء حلف الناتو، وهو الاجتماع الثامن من نوعه، وهيمنت عليه جهود إقناع برلين كي تسمح لكييف بالحصول على دبابات ليوبارد 2 الألمانية. إنه خبر أخر يشير إلى مدى انغماس الغرب في التفاصيل الميدانية، في حين كان قليل الحساسية إزاء استغاثات السوريين.

نحن نكاد نسمع لمرتين كل أسبوع خبراً جديداً عن حزمة مساعدات غربية لأوكرانيا، وبكلفة باهظة حقاً. وقد برزت مؤخراً في واشنطن مطالبات من نواب للحزب الجمهوري بإرسال دبابات أمريكية، ما يخالف التوقعات عن عرقلة الجمهوريين تدفق المساعدات. أما أصوات النواب الأمريكيين المطالبين بدعم السوريين ضد الأسد فكانت قليلة جداً، وضعيفة بتأثيرها على الإدارتين الديموقراطية والجمهورية، باستثناء إقرار العقوبات الاقتصادية.

إلى جوار الأخبار العسكرية، عادت التهديدات الغربية باستخدام أموال الأثرياء الروس المجمَّدة في إعادة إعمار أوكرانيا لاحقاً، وهي تهديدات موجَّهة إلى الحلقة المقرَّبة من بوتين، لدفع أفرادها إلى الضغط عليه. هذه التهديدات، التي لا ترتكز إلى القوانين الدولية أو المحلية، هي مرآة للعجز أمام سياسة التدمير المنهجي الواسع الذي تعتمده القوات الروسية.

إذا كنا قد بدأنا بالأنباء التي تكشف تمييز الغرب بين السوريين والأوكران، لصالح الأخيرين الذين ينالون دعماً غير محدود، فلعل آخر هذه الأخبار يكشف عن جانب يُختزل غالباً بعبارة من نوع أن "بوتين ينتقم لعجز قواته ميدانياً وضعفها التقني باستهدافه منشآت غير عسكرية". وهذا العبارة في أحسن أحوالها تدين سلوك بوتين المنافي لقواعد الحرب، وكأن طائراته وصواريخه لم تقصف المستشفيات والمدارس وأفران الخبز في سوريا، وكأنها لم تدمّر غروزني من قبل!

تزويد أوكرانيا بالدبابات الألمانية الضرورية للمقاومة، في حال إقراره، لن يكون حلاً سحرياً عاجلاً. هناك المدة الضرورية لتدريب الأوكران، وهنا مستلزمات الدعم اللوجستي بما فيها توفير الصيانة التي لا تتطلب إعادة تأهيل تامة. بعض التقديرات الغربية يذهب إلى أن استخدام الدبابات الألمانية، ربما مع عدد رمزي من الأمريكية، قد يستغرق حتى نهاية العام ليكون ضمن الحد الذي يمكّن القوات الأوكرانية من المبادرة الهجومية الفاعلة.

حتى يتحقق ذلك لن يقف بوتين متفرجاً، ومن المتوقع بقوة أنه سيزيد من استهداف كل ما تطاله صواريخه وطائراته ومدفعيته في الأراضي الأوكرانية. من المتوقع أيضاً أن القوات الروسية ستسعى خلال الشهور القليلة المقبلة إلى استغلال فارق العدد بينها وبين القوات الأوكرانية، بإرهاق الأخيرة عبر الهجوم على كافة الجبهات، وعبر قصف ما وراء خطوط الجبهة لإرهاق الداخل الأوكراني برمّته.

هي معركة غير متكافئة، يخوضها بوتين بلا خطوط حمر يرتدع عندها، بخلاف الغرب وأوكرانيا. الأخيرة لا تستطيع مثلاً استخدام الأسلحة الغربية في قصف خطوط الإمداد داخل الأراضي الروسية، وحتى السماح باستخدام تلك الأسلحة في استهداف شبه جزيرة القرم المحتلة تحوطه المحاذير من أن تعتبره موسكو اعتداء على أراضيها، لتردّ باستخدام أسلحة غير تقليدية.

إن قواعد الاشتباك، التي تمنح أفضلية لموسكو، قائمة فوق تدمير أوكرانيا وإيقاع عدد ضخم من الضحايا فيها. يحدث هذا بموافقة الغرب الذي لا يريد استفزاز بوتين، و"جرّه" تالياً إلى استخدام أسلحة كيماوية أو نووية تكتيكية، وهذه الموافقة مع استمرار دعم أوكرانيا تمضي في سيناريو وحيد هو حرب استنزاف طويلة الأمد، لا يسمح فيها بوتين بأن يُهزَم، ويتحاشى فيها الغرب كسره على نحو يستفزه نووياً.

من المؤكد أن الروس أيضاً سيضطرون إلى تقديم عدد ضخم من القتلى، فوق أثر العقوبات الغربية على معيشتهم، إلا أن ذلك لن يردع بوتين، لأن هذا النوع من الأنظمة مجرَّب ومن المعلوم أنه يرفض الاعتراف بالهزيمة أو الفشل حتى سقوطه. ومن المعلوم أيضاً أن الغرب، باستثناء زلة من زلات اللسان المعتادة لبايدن، لا يطرح هدف إسقاط بوتين عبر إذلاله في أوكرانيا، مع احتساب النجاح للأخير بتسويق حربه أمام الروس كقضية أمن قومي وكرامة وطنية.

يكاد يكون السيناريو الغربي في أوكرانياً مشابهاً لدعم فصائل معارضة في سوريا بهدف استنزاف الأسد، تحت عنوان دفعه إلى الحل السياسي لا إسقاطه، وقد استمر لأربع سنوات قبل التدخل العسكري الروسي وما تلاه. لنا بالمقارنة، مع الانتباه إلى فارق القدرات التدميرية التي يمتلكها بوتين، أن نتخيل الثمن الباهظ الذي سيدفعه الأوكران في حال استمرار حرب الاستنزاف لسنوات.

إن الفوارق التي تميل لمصلحة الأوكران بالمقارنة مع السوريين تتضاءل بموجب هذا السيناريو المرجَّح حالياً، والدعم الغربي غير المسبوق لا يحابي الأوكران بقدر ما يعكس الاختلافَ في موازين القوى هناك، والتهديدَ الذي يشكله انتصار بوتين على المنظومة الدولية ككل بدءاً من خطره على دول البلطيق. كنا في مثال نعرفه جيداً قد شاهدنا واحداً من أضخم الحشود الدولية لتحرير الكويت، أيضاً للحفاظ على التوازنات الدولية والإقليمية، وشاهدنا كيف توقفت آنذاك الحشود القادرة على إسقاط صدام رغم أنه لا يملك ترسانة نووية. في الواقع لا يُحسَد الأوكران على مصيبتهم، ولا يخفف منها أن تكون أحياناً أقل من المصيبة السورية، أو أن يحظى اللاجئ الأوكراني في أوروبا بمعاملة تفضيلية. هي فوارق ضئيلة الشأن، بل ربما تسمح بالقول أن الأوكران سوريون ببشرة ولون عيون مختلفين.