يوتيوبر دنماركي: تمّ تعذيبي في سوريا.. في حمّام السوق!

"تمّ تعذيبي في سوريا" (I Was Tortured In Syria) هو عنوان واحد من سلسلة فيديوهات نشرها اليوتيوبر الدنماركي غوستاف روستد، عن زيارته إلى سوريا مؤخراً. لكن العنوان الجذاب، كونه يحمل صدمة مرتبطة بسمعة البلاد عالمياً كمسلخ بشري وأرض للموت بفعل السياسات الرسمية، ليس أكثر من طريقة رخيصة لكسب المشاهدات، إذ يتحدث عن تجربة الشاب الأشقر في حمّام السوق حيث خدمة التدليك والحلاقة التقليدية مع المياه الباردة، لعدم وجود محروقات وكهرباء كافية لتسخين المياه على الأغلب.

يبدو العنوان نفسه مستفزاً، وكأنه يسخر ضمناً من ضحايا التعذيب في البلاد، لأن غوستاف الذي يتابعه نحو 300 ألف شخص في "يوتيوب"، يدرك حتماً وجود تعذيب في البلاد ولذلك استخدم العنوان بهذا الشكل. يشابه ذلك ما يقوم به موالو النظام السوري وإعلاميوه وممثلوه في الدراما المحلية، من سخرية وشماتة بضحايا النظام السوري. ولا يختلف الفيديو بالتالي عما قدمته الممثلة أمل عرفة مثلاً في سلسلة "كونتاك" من سخرية وضيعة من ضحايا الأسلحة الكيماوية، أو ما ينشره الممثل الآخر معن عبد الحق وشخصيات في وزارة الإعلام عند تعليقهم على الأحداث اليومية، باستخدامهم وقائع لا يمكن إنكارها في البلاد، كالتعذيب، لكن بشكل ساخر، للقول أنه لا تعذيب في البلاد بقدر ما توجد دعاية مغرضة من الولايات المتحدة وإسرائيل مثلاً.

وإن كان التعذيب يرتبط عادة بالسوريين أنفسهم ممن يعارضون النظام مثلاً، فإن الأجانب لا يملكون حصانة عليهه. في العام 2019 مثلاً نشرت صحيفة "Volksstimme" الألمانية تقريراً عن السياح الأجانب الذين زاروا سوريا ومن بينهم مؤثرون عالميون. وعرضت الصحيفة حينها قصة مواطن ألماني يُدعى فيليكس، اعتقلته الشرطة في دمشق في تشرين الثاني/نوفمبر 2019 عندما أراد التقاط صورة، وانتهى به الأمر معتقلاً، معصوب العينين وتم استجوابه لمدة 5 أيام، رأى خلالها المئات من السوريين في السجن يتعرضون للتعذيب. ورغم ذلك، كتب فيليكس: "معظم الزيارات إلى سوريا سيكون على ما يرام"، وعبّر عن سعادته لأنهم لم يقوموا بحذف الصورة التي التقطها!والحال أن الرسالة الوحيدة التي يريد غوستاف إيصالها لجمهوره هي أن "سوريا رخيصة جداً بالنسبة لنا" و"تمت معاملتنا كالمشاهير"، علماً أن هذه هي زيارته الثانية للبلاد بعد ثلاثة أعوام من الزيارة الأولى. لا مقارنة بين الزيارتين سوى بالقول أن كل شيء بات افضل من منطلق أن وتيرة الحرب خفت، إن لم تكن منتهية في الكثير من مناطق البلاد. لكن تلك الزاوية الضيقة تحجب الكثير من الوقائع حول حالة البلاد اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، خصوصاً أنها تتضافر مع حجب متعمد للحقائق. فالكاميرا التي تصور طوال 24 ساعة لا ترصد، ولو مرة واحدة، انقطاع التيار الكهربائي في بلد تبلغ فيه مدة التقنين 23 ساعة يومياً! أما الفقر والتشرد فهما أمران لا وجود لهما في الشوارع، كما هو الحال بالنسبة للمظاهر العسكرية.على أن هناك لقطات قليلة مثيرة للاهتمام. فبينما يمشي غوستاف في الشوارع، يسمع أشخاصاً يقول عنه أنه من روسيا، عطفاً على الوجود الروسي الكثيف في البلاد، ليصحح لهم بأنه من الدنمارك، فيتعجبون من رؤية شخص "أجنبي". وتوازياً، تشعر مجموعة من الفتيات بالصدمة لرؤية شاب في الطريق، ليس فقط لأنه وسيم ويتحدث إليهن بطريقة ظننّ أنها مغازلة لطيفة، بل لأنه فقط شاب، عطفاً على حالة الشح في عدد الشبان الذين إما يضطرون للرحيل فور تخرجهم من الجامعات أو يساقون للخدمة العسكرية.على أن أكثر ما يلفت الانتباه هو تعامل السوريين أنفسهم مع الكاميرا، بطريقتين متناقضتين، رغم أنهما تشكلان ردّ فعل واحداً على تهميشهم كأفراد في بلد دكتاتوري يرفض كل قيم الفردانية. فمن جهة يبدو البعض متحمساً جداً لنيل اهتمام لحظي قصير أمام الكاميرا، فيجيب بحماس عن أسئلة شخصية بسيطة جداً لا أحد يبالي بها عادة، ومن جهة أخرى يبدو البعض خائفاً ومتهرباً من الحديث بصراحة فجة لأنه ببساطة لا يمكن الثقة بشخص يسأل تلك الأسئلة في بلد تنتشر فيه المخابرات ولا يعرف فيه المرء عدواً من صديق.لا يبالي غوستاف الذي يقضي وقتاً بكلفة رخيصة، بين حماة وحلب ودمشق ومعلولا وصيدنايا وغيرها، بالبؤس والفقر والمأساة الإنسانية المستمرة منذ 12 عاماً، ولا بالدكتاتورية وجرائم الحرب التي لم يمض عليها الزمن، ولا بعمالة الأطفال ومظاهر التخلف عمرانياً ومدنياً، طالما أنه لا يدفع سوى بضعة دولارات هنا وهناك ويلتقط الصور مع الفضوليين الذين يرونه أشبه بكائن فضائي طالما أنهم يعيشون في بلد مغلق على نفسه. وحتى عندما يتحدث أحدهم عن الحياة الاقتصادية الصعبة، يتم تقطيع الفيديو إلى ويستدرك الشخص نفسه (بتوجيهات من المرشدين المرافقين لليوتيوبر) بأن الفقر والبؤس جيدان لأنهما يعنيان الحياة البسيطة الخالية من العُقد المعاصرة، في محاكاة لما يقوم به الإعلام الرسمي منذ عقود بضخ مستمر لـ"تمجيد الفقر" كردّ على الاستياء الشعبي من ملفات مستعصية كالكهرباء والمحروقات.ولا ينتهي الأمر عند تقديم الصورة الزائفة من ناحية اقتصادية، بل حتى من ناحية اجتماعية. في أحد الفيديوهات، يُدهش غوستاف لمدى التنوع الموجود في سوريا، لأنه "صُدِم" بوجود حياة ليلية في البلاد، أو رأى فتاة بشعر وردي اللون في الطريق. لكن ذلك التنوع كاذب على الأصعدة كافة، لأن تلك الحياة الليلية في حي باب شرقي الدمشقي مثلاً، لا تمثل إلا شريحة محدودة من السوريين أولاً، كما أن فئات مختلفة من السوريين تتعرض للتمييز على صعيد يومي في القوانين وضمن الدستور نفسه ثانياً، بما في ذلك المثليون والملحدون الذي يضطرون لإخفاء هوياتهم، وكذلك النساء والأقليات العرقية والدينية.

كل هذه الجهود ليست عفوية بل هي جزء من حملة رسمية أطلقها النظام السوري قبل سنوات وزادت وتيرتها العام 2022 مع محاولة الحكومة السورية إحياء السياحة المتعثرة رغم "الانتصار في الحرب الكونية". وأطلقت وزارة السياحة قبل أشهر حملة منسقة لإقناع المستثمرين والمصطافين بأن سوريا لديها الكثير لتقدمه للزوار الأجانب، بموازاة الإعلان عن 25 مشروعاً سياحياً في مؤتمر استثماري أقيم في أيلول/سبتمبر الماضي بالعاصمة دمشق، بما في ذلك احتمال إنشاء شواطئ خاصة بعد الإعلان عن صفقة مدعومة من روسيا بقيمة 60 مليون دولار (52 مليون جنيه إسترليني) لبناء مجمع فندقي في مدينة اللاذقية الساحلية. وتم تكثيف التعاون مع المؤثرين العالميين لهذا الغرض.وزيارة غوستاف لم تكن فردية، بل اصطحب معه مجموعة من الأصدقاء والرحالة من دول مختلفة كألمانيا والبرازيل، بشكل مشابه لما قام به المدوّن الآخر خافيير رايتشل بلانشارد، العام الماضي، عندما بدأ يقدم جولات إرشادية للسياحة في سوريا عبر قناته في "يوتيوب". وفي المثالَين، فإن الهدف المعلن من ذلك هو "إظهار جانب مختلف من سوريا للعالم". والدليل على أن تلك الزيارات موجهة ومنسقة مع الحكومة السورية وليست مجرد مبادرات فردية حباً بالبلاد، هو تصريحات المدون الإسباني جوان توريس لصحيفة "غارديان" البريطانية العام الماضي، عندما كشف أنه زار سوريا وحيداً العام 2018 قبل أن تطلب منه الحكومة رسمياً السفر مع مجموعة سياحية ينظمها عبر السوشال ميديا مقابل 1590 يورو فقط.ورغم ذلك الاهتمام الرسمي، لا يمكن للسائحين زيارة البلاد إلا في مجموعات ويجب عليهم التقدم للحصول على تصريح أمني مُسبق، ويجب أن يرافقهم دليل رسمي تقدمه وزارة الإعلام عادة، يحرص على عدم وجود ما يخالف سردية النظام، في الحوارات مع الناس أو في الصور الملتقطة على حد سواء. وفيما يعترض الصحافيون الأجانب القلائل الذين زاروا البلاد خلال العقد الماضي على تلك الرقابة، فإن المدوّنين لا يبالون على الإطلاق ولا يشيرون له في فيديوهاتهم. ويبرز الأمر بوضوح عند قراءة ما كتبته مراسلة صحيفة "نيويورك تايمز" فيفيان يي العام 2019 عندما اشتكت إلى وزير الإعلام لكثرة المرافقين، وتدخلهم في حواراتها مع المدنيين، فقال لها: "عليك أن تفهمي أننا لسنا أميركيين، ونقوم بالأمور بشكل مختلف هنا، والكل هنا يفترض أنكم جواسيس". بعكس ذلك، لخص غوستاف معنى التواجد في سوريا 2022 بالقول: "قضيت وقتاً مذهلاً في سوريا" أو "لا أريد أن أغادر أبداً".ويتم استثمار تلك الزيارات القليلة في الإعلام الرسمي من أجل الترويج لكذبة عودة الحياة الطبيعية إلى سوريا. وتمتلك وكالة الأنباء الرسمية "سانا" أرشيفاً متزايداً من التقارير عن مجموعات سياحية صغيرة تزور المواقع التاريخية. فيما يستفيد صناع المحتوى كثيراً من تلك الزيارات لأن مدوّني السفر والرحالة بحاجة للبروز وسط جو تنافسي شديد، وبالتالي توفر الرحلات إلى أماكن خطيرة ومعزولة، مثل سوريا وكوريا الشمالية مثلاً، إمكانية التميز عن رحلات روتينية إلى باريس أو روما.وهكذا لا تنقل هذه "الدعاية الناعمة" معلومات فجة ومباشرة، بل تعكس فقط جواً عاماً يعود لصالح النظام، من دون تبنٍّ رسمي، بهدف تذخيره بمصداقية أكبر. ولن يجد النظام بالتأكيد، أفضل من نجوم السوشيال ميديا المأجورين ليتكفلوا بالمهمة، لأنهم يتمتعون بشعبية أكبر في مواقع التواصل الاجتماعي، ويمتلكون حظوة لدى وسائل الإعلام العالمية التي تنبهر بهذه "المبادرات الفردية" حتى لو تحول النقاش في وسائل الإعلام إلى ناحية أخلاقية، لأن أولئك المدونين سيدافعون عما قاموا به في وجه أي اتهامات أو أسئلة محرجة، ما يجعلهم يظهرون بصورة بطولية.